فخر الدين الرازي
459
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى [ طه : 121 ] وإنما قلنا أن العاصي صاحب الكبيرة لوجهين : الأول : أن النص يقتضي كونه معاقباً لقوله تعالى : وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ [ الجن : 23 ] فلا معنى لصاحب الكبيرة إلا ذلك ، الثاني : أن العاصي اسم ذم فوجب أن لا يتناول إلا صاحب الكبيرة ، الوجه الثاني في التمسك بقصة آدم أنه كان غاوياً لقوله تعالى فَغَوى والغي ضد الرشد ، لقوله تعالى : قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ [ البقرة : 256 ] ، فجعل الغي مقابلًا للرشد ، الوجه الثالث : أنه تائب والتائب مذنب ، وإنما قلنا إنه تائب لقوله تعالى : فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ [ البقرة : 37 ] وقال : ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ [ طه : 122 ] وإنما قلنا : التائب مذنب لأن التائب هو النادم على فعل الذنب ، والنادم على فعل الذنب مخبر عن كونه فاعلًا للذنب ، فإن كذب في ذلك الإخبار فهو مذنب بالكذب ، وإن صدق فيه فهو المطلوب . الوجه الرابع : أنه ارتكب المنهي عنه في قوله : أَ لَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ [ الأعراف : 22 ] ، وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ [ الأعراف : 19 ] ، وارتكاب المنهي عنه عين الذنب . الوجه الخامس : سماه ظالماً في قوله : فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ [ البقرة : 35 ] وهو سمى نفسه ظالماً في قوله : رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا [ الأعراف : 23 ] والظالم ملعون لقوله تعالى : أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ [ هود : 18 ] ومن استحق اللعن كان صاحب الكبيرة . الوجه السادس : أنه اعترف بأنه لولا مغفرة اللّه إياه وإلا لكان خاسراً في قوله : وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ [ الأعراف : 23 ] ، وذلك يقتضي كونه صاحب الكبيرة . وسابعها : أنه أخرج من الجنة بسبب وسوسة الشيطان وإزلاله جزاء على ما أقدم عليه من طاعة الشيطان ، وذلك يدل على كونه صاحب الكبيرة ، ثم قالوا : هب أن كل واحد من هذه الوجوه لا يدل على كونه فاعلًا للكبيرة ، لكن مجموعها لا شك في كونه قاطعاً في الدلالة عليه ، ويجوز أن يكون كل واحد من هذه الوجوه وإن لم يدل على الشيء / لكن مجموع تلك الوجوه يكون دالًا على الشيء . والجواب المعتمد عن الوجوه السبعة عندنا أن نقول : كلامكم إنما يتم لو أتيتم بالدلالة على أن ذلك كان حال النبوة ، وذلك ممنوع فلم لا يجوز أن يقال : إن آدم عليه السلام حالما صدرت عنه هذه الزلة ما كان نبياً ، ثم بعد ذلك صار نبياً ونحن قد بينا أنه لا دليل على هذا المقام . وأما الاستقصاء في الجواب عن كل واحد من الوجوه المفصلة فسيأتي إن شاء اللّه تعالى عند الكلام في تفسير كل واحد من هذه الآيات . ولنذكر هاهنا كيفية تلك الزلة ليظهر مراد اللّه تعالى من قوله : فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ [ البقرة : 36 ] فنقول لنفرض أنه صدر ذلك الفعل عن آدم عليه السلام بعد النبوة فإقدامه على ذلك الفعل إما أن يكون حال كونه ناسياً أو حال كونه ذاكراً ، أما الأول : وهو أنه فعله ناسياً فهو قول طائفة من المتكلمين واحتجوا عليه بقوله تعالى : وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً [ طه : 115 ] ومثلوه بالصائم يشتغل بأمر يستغرقه ويغلب عليه فيصير ساهياً عن الصوم ويأكل في أثناء ذلك السهو [ لا ] عن قصد ، لا يقال هذا باطل من وجهين . الأول : أن قوله تعالى : ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ ، وقوله : وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ [ الأعراف : 20 - 21 ] يدل على أنه ما نسي النهي حال الإقدام . وروى عن ابن عباس ما يدل على أن آدم عليه السلام تعمد لأنه قال لما أكلا منها فبدت لهما سوآتهما خرج آدم فتعلقت به شجرة من شجر الجنة ، فحسسته فناداه اللّه تعالى أفراراً مني ، فقال : بل حياء منك ، فقال له : أما كان فيما منحتك من الجنة مندوحة عما حرمت عليك ؟ قال : بلى يا رب ولكني وعزتك ما كنت أرى أن أحداً يحلف بك كاذباً ، فقال : وعزتي لأهبطنك منها ثم لا تنال العيش إلا كداً . الثاني : وهو أنه لو كان ناسياً لما عوتب على ذلك الفعل ، أما من حيث العقل فلأن الناسي غير قادر على الفعل ، فلا يكون مكلفاً